أكرم أباك وأمك


وصية "أكرم أباك وأمك" (أفسس 6: 2) هي مبدأ أساسي في الحياة المسيحية، ولها جذورها في العهدين القديم والجديد. وتنبع هذه الوصية من الوصية الخامسة من الوصايا العشر في سفر الخروج 20: 12 وتثنية 5: 16، وقد أكّدها الرسول بولس في العهد الجديد. يُشدّد بولس على أن إكرام الوالدين ليس مجرد تقليد مجتمعي، بل هو أمر إلهي مرتبط بوعد الله بالبركة. في الإطار المسيحي، يتجاوز إكرام الوالدين مجرد الالتزام؛ فهو يعكس طاعة الله، ويُجسّد الاحترام والامتنان والمحبة داخل الأسرة ومجتمع الكنيسة الأوسع.

السياق والمعنى الكتابي

يُعدّ إكرام الوالدين مبدأً كتابياً أساسياً يضمن الوفاء الفردي والجماعي. وهو يعكس تدبير الله لبناء الأسرة واحترامها ونظامها. في كلٍّ من العهدين القديم والجديد، يُقدَّم تكريم الوالدين كواجب أخلاقي ذي دلالات روحية وعملية عميقة. ويؤكد القديس بولس، في رسالته إلى أهل أفسس، هذه الوصية، مشددًا على أهميتها الدائمة للمؤمنين.

١- تعليم القديس بولس في أفسس ٦: ٢

في أفسس ٦: ١-٣، يحثّ بولس الأبناء على طاعة والديهم، مُعزّزًا تعليماته بالوصايا العشر: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هَذَا حَقٌّ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْضِ" (أفسس ٦: ١-٣).

 

يُشدّد القديس بولس على أن إكرام الوالدين هو "أول وصية بوعد"، مُشيرًا إلى النعمة الإلهية بطول العمر والرخاء.

٢- أساس العهد القديم

تعود هذه الوصية إلى سفر الخروج ٢٠: ١٢: "اكْرِمْ ابَاكَ وَامَّكَ لِتَطُولَ ايَّامُكَ عَلَى الارْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ الَهُكَ" (خروج ٢٠: ١٢).

في إسرائيل القديمة، كان احترام الوالدين جزءًا لا يتجزأ من الحفاظ على تقوى الله والوفاء بالعهد مع الله. كما أن عدم احترام الوالدين لم يكن مجرد إساءة شخصية، بل كان أيضًا انتهاكًا للشريعة الإلهية (تثنية ٢٧:١٦؛ أمثال ٢٠:٢٠).

إكرام الوالدين ورعايتهم: وصية كتابية

إكرام الوالدين ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل مبدأ روحي أساسي في التلمذة المسيحية. إنه فعل طاعة لله، وإظهار للمحبة، ووسيلة لتكوين أسر قوية متمركزة حول الإيمان. يتضمن الإكرام الحقيقي الاحترام والرعاية والامتنان - وهي ممارسات تمتد من الطفولة إلى البلوغ. حتى عندما تكون العلاقات متوترة، يبقى الوصية الكتابية، داعيةً المؤمنين إلى التقرب من والديهم برحمة وتواضع.

يُعلّم الكتاب المقدس أيضًا أن إكرام الوالدين يتجاوز مجرد الاحترام؛ فهو يشمل رعايتهم، وخاصة في شيخوختهم. إن بر الوالدين تعبير مباشر عن التقوى، وعدم القيام بذلك يُعتبر إساءة جسيمة للإيمان. وكما هو واضح في مواضع متعددة بالكتاب المقدس، فإن إكرام الوالدين يحمل في طياته مسؤوليات وبركات.

١- إكرام الوالدين طاعة لله

إكرام الوالدين يتماشى مع حياة البذل والتفاني في المسيح. يُوصي القديس بولس الأبناء: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هَذَا حَقٌّ" (أفسس ٦: ١).

وبّخ يسوع الفريسيين على تجاهلهم هذه الوصية، مُشددًا على أهميتها: " «وَأَنْتُمْ أَيْضاً لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْصَى قَائِلاً: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ وَمَنْ يَشْتِمْ أَباً أَوْ أُمّاً فَلْيَمُتْ مَوْتاً. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي. فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ!" (متى ١٥: ٣-٦).

إن عدم إكرام الوالدين ليس مجرد إساءة إليهم، بل هو انتهاك لإرادة الله.

٢- تكريم الوالدين بالاحترام والرعاية

لا يقتصر التكريم الكتابي على الأقوال، بل يتجلى بأفعال ملموسة من الحب والاحترام والدعم. ويحمل المصطلح اليوناني "إكرام" (τιμάω timaō) معاني التقدير والتبجيل والرعاية.

وقد جسّد الرب يسوع هذا عندما أوكل أمه إلى يوحنا وهو على الصليب. لَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفاً قَالَ لِأُمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ هُوَذَا ابْنُكِ». ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ (يوحنا ١٩: ٢٦-٢٧).

ويؤكد القديس بولس هذا في رسالته الأولى إلى تيموثاوس ٥: ٤، إذ يحث المؤمنين على رعاية والديهم المسنين، واصفًا ذلك بأنه "تعبير عن التقوى الحقيقية".

وبالمثل، يُصدر القديس بولس تحذيرًا شديدًا بشأن إهمال المسؤوليات العائلية: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ" (تيموثاوس الأولى ٥: ٨).

رعاية الوالدين انعكاس مباشر لإيمان الانسان وتقواه لله.

٣- تكريم الوالدين رغم عيوبهما

حتى عندما يُقصّر الوالدان، لا تزال وصية تكريمهم قائمة. لا يعني التكريم بالضرورة التغاضي عن أفعالهم، بل يعني معاملتهم باحترام، والصلاة من أجلهم، والسعي للمصالحة كلما أمكن.

الرب يسوع، مع أنه ابن الله، خضع لوالديه الأرضيين: "ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ وَكَانَ خَاضِعاً لَهُمَا. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْفَظُ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ فِي قَلْبِهَا" (لوقا ٢: ٥١).

حتى عندما تكون العلاقات صعبة، يُدعى المؤمنون إلى الحفاظ على موقف التكريم، متذكرين أنه يعكس طاعتهم لله.

٤- تكريم الآباء والأمهات الروحيين

يتجاوز تكريم الأبوة والأمومة الروابط البيولوجية. اعتبر القديس بولس نفسه أبًا روحيًا للكنائس التي أسسها: "لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ لَكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ" (كورنثوس الأولى ٤: ١٥).

يتضمن تكريم القادة الروحيين احترام سلطتهم، والتعلم من حكمتهم، والصلاة من أجل سلامتهم. كما أننا مدعوون لإكرام آبائنا الأرضيين، علينا أيضًا إكرام من يرعوننا روحيًا.

5- بركات مرتبطة بإكرام الوالدين

يؤكد سفر الأمثال أن إكرام الوالدين يؤدي إلى الحكمة والرضى الإلهي: "اِسْمَعْ يَا ابْنِي تَأْدِيبَ أَبِيكَ وَلاَ تَرْفُضْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ لأَنَّهُمَا إِكْلِيلُ نِعْمَةٍ لِرَأْسِكَ وَقَلاَئِدُ لِعُنُقِك" (أمثال 1: 8-9).

في المقابل، يؤدي عدم إكرام الوالدين إلى عواقب وخيمة: "مَنْ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يَنْطَفِئُ سِرَاجُهُ فِي حَدَقَةِ الظَّلاَمِ" (أمثال 20: 20). توضح هذه الآية أن عدم احترام الوالدين يؤدي إلى سقوط روحي وأخلاقي. إن صورة المصباح المنطفئ في الظلام الدامس ترمز إلى فقدان الارشاد والبركات والرضى الإلهي. أولئك الذين لا يكرمون والديهم يخاطرون بتجربة علاقات محطمة، وصراعات شخصية، والانفصال عن الحكمة والحماية التي تأتي من العيش في طاعة أوامر الله.

يُعلّم الكتاب المقدس باستمرار أن إكرام الوالدين لا يجلب البركات فحسب، بل يُقوّي أيضًا الأسر والمجتمعات. فالثقافة التي تُعلي من شأن احترام الوالدين تُنمّي أفرادًا يتمسّكون بالصلاح والنزاهة الأخلاقية.

الخلاصة

إن إكرام الوالدين ليس مجرد واجب أخلاقي؛ بل هو أمر إلهي يعكس علاقتنا بالله ويُشكّل أساسًا لأسر ومجتمعات قوية. هذا المبدأ، المُتجذّر في العهدين القديم والجديد، يدعو إلى الطاعة والاحترام والرعاية - قولًا وفعلًا. سواءً من خلال إعالة الوالدين، أو إظهار الحب والامتنان لهما، أو السعي للمصالحة رغم عيوبهما، فإن إكرامهما هو فعل إيمان وتبجيل لله.

يُوضّح الكتاب المقدس أن من يُكرّم والديه ينال بركات إلهية، منها الرخاء وطول العمر. في المقابل، يؤدي إهمال هذه الوصية إلى عواقب شخصية ومجتمعية. وقد ضرب الرب يسوع نفسه المثل بحرصه على رعاية والدته، مُبيّنًا أن إكرام الوالدين التزامٌ مدى الحياة.

كأتباع للمسيح، نحن مدعوون إلى التمسك بهذه المسؤولية المقدسة. فلنسعى دائمًا لتطبيق هذه الوصية بمحبة وإخلاص، عالمين أننا بذلك ننسجم مع مشيئة الله ونساهم في ثقافة الاحترام والإيمان وقوة الأسرة.

للمزيد من القراءة، أشجعكم على الاطلاع على  كتابي "The Christian Family: A Biblical Perspective"، المتوفر على أمازونAmazon . يقدم هذا الكتاب رؤى أعمق في تدبير الله للأسرة، مشددًا على الأسس الكتابية للحب والاحترام والمسؤولية داخل المنزل.

القمص أبرام داود سليمان

frsleman@CopticChurch.net

#أكرموا_والديكم #قيم_الأسرة_الكتابية #أفسس6:2 #الحياة_المسيحية #الوعد_الإلهي

Comments

Popular posts from this blog

Pastoral Statement on the East Brunswick Tragedy

A Message to President-Elect Trump

Heart of the Shephard: Introduction - Under Print