الرد المسيحي لمواجهة فيروس كورونا
أعتقد أن الخوف – المنتشر في العالم اليوم بسبب فيروس كورونا – أسوأ بكثير من الفيروس نفسه. وإذا ضاع سلام أولاد الله في وسط الأخبار المزعجة لانتشار هذا الفيروس في العالم كله، فماذا يكون الحال مع أولاد العالم؟ لذلك في هدوء وبعيدا عن صخب الميديا ومواقع التواصل الاجتماعي، دعونا نلتمس فهم الموقف وكيفية مواجهته في نور كلمة الله. وبنعمة ربنا، أود أن أذكر بعض المفاهيم والمبادئ الروحية نأخذها في الاعتبار:
أولا: فيروس كورونا ليس هو الأول ولن
يكون الأخير من الأوبئة أو الكوارث التي نواجهها في هذا العالم. لقد سبق أن أخبرنا ربنا يسوع المسيح بذلك، وقال: “وَتَكُونُ زَلاَزِلُ
عَظِيمَةٌ فِي أَمَاكِنَ وَمَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ. وَتَكُونُ مَخَاوِفُ وَعَلاَمَاتٌ
عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ” (لوقا 21 : 10-11)، وكأن الرب يسوع يقول لنا اليوم أيضا:
“هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ” (متى 24 : 25)، “قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا
لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سلاَمٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلَكِنْ ثِقُوا:
أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ” (يوحنا 16 : 33).
ثانيا: انتشار الشر والأمراض في العالم
هو أحد صور هجوم مملكة الشر على البشرية، لأن العالم مازال موضوعا تحت سيطرة إبليس. قال الرب يسوع عن إبليس أنه “رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ” (يوحنا 14 :
30)، والقديس بولس الرسول يقول عنه أنه “رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ” (أفسس 2 :
2). وحسب قول القديس يوحنا: “الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1 يوحنا
5 : 19). القديس بولس الرسول يصف العالم الحاضر أنه “الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ”
(غلاطية 1 : 3-4).
الفداء الذي أتمه الآب السماوي في شخص
ربنا يسوع المسيح على الصليب المقدس هو فداء لأرواحنا من الخطية وسلطانها ومن الدينونة،
ولكننا ننتظر مجيء السيد المسيح مرة ثانية من أجل فداء أجسادنا وتجديد الخليقة. في
هذا يقول القديس بولس الرسول: “نَعْلَمُ أَنَّ
كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعاً إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هَكَذَا فَقَطْ
بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضاً نَئِنُّ
فِي أَنْفُسِنَا مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا” (رومية 8 :
22-23). وما زلنا “نَنْتَظِرُ مُخَلِّصاً هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي
سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ،
بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ” (فيلبي 3
: 20-21).
ليكن لنا رجاء أنه سيأتي يوم ينتهي فيه
إبليس والشر [أي الخطية] والطبيعة الشريرة [الطبيعة الخاطئة]، وبالتالي نعيش في ملكوت
الله بلا مرض. هذا ما يبشرنا به سفر الرؤيا: “َإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ
طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ [الشر] وَالنَّبِيُّ
الْكَذَّابُ [الطبيعة الخاطئة]. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَاراً وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ
الآبِدِينَ” (رؤيا 20 : 10).
ثالثا: أولاد الله الذين يعيشون تحت
حماية الآب السماوي لا يخافون ولا يرتعبون من أي المخاطر أو الأوبئة. والكتاب المقدس مملوء بالمواعيد الإلهية التي تعبر عن ذلك، ومنها ما ورد
في مزمور 91، إذ يقول: “اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ.
أَقُولُ لِلرَّبِّ: مَلْجَإِي وَحِصْنِي. إِلَهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ. لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ
مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ وَمِنَ الْوَبَإِ الْخَطِرِ. بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ وَتَحْتَ
أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي. تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ. لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ
وَلاَ مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي النَّهَارِ وَلاَ مِنْ وَبَأٍ يَسْلُكُ فِي الدُّجَى
وَلاَ مِنْ هَلاَكٍ يُفْسِدُ فِي الظَّهِيرَةِ. يَسْقُطُ عَنْ جَانِبِكَ أَلْفٌ وَرَبَوَاتٌ
عَنْ يَمِينِكَ. إِلَيْكَ لاَ يَقْرُبُ. إِنَّمَا بِعَيْنَيْكَ تَنْظُرُ وَتَرَى مُجَازَاةَ
الأَشْرَارِ. لأَنَّكَ قُلْتَ: أَنْتَ يَا رَبُّ مَلْجَإِي. جَعَلْتَ الْعَلِيَّ مَسْكَنَكَ
لاَ يُلاَقِيكَ شَرٌّ وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ. لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ
بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرْقِكَ. عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ
تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ. عَلَى الأَسَدِ وَالصِّلِّ تَطَأُ. الشِّبْلَ وَالثُّعْبَانَ
تَدُوسُ. لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي.
يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ. مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيقِ. أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ.
مِنْ طُولِ الأَيَّامِ أُشْبِعُهُ وَأُرِيهِ خَلاَصِي” (مزمور 91).
رابعا: من الحكمة أن نتبع كل التعليمات
الطبية الواجبة للحد من انتشار المرض، وجانب كثير من الوصايا
التي قدمها الله في الشريعة هو عبارة عن وصايا للعناية بصحة شعبه وعدم نشر العدوى،
مثل الوصايا الخاصة بمرض البرص، والاحتراس من الدم.
ولكن قبل هذا ينبغي أن نعي ونؤمن أن الله
وحده هو المخلص، ولا معنى لأي شيء بدون تدخله الشخصي. يقول الرب في سفر أشعياء: أَنَا
أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ” (اشعياء 43 : 11). “هُوَذَا اللَّهُ خَلاَصِي
فَأَطْمَئِنُّ وَلاَ أَرْتَعِبُ لأَنَّ يَاهَ يَهْوَهَ قُوَّتِي وَتَرْنِيمَتِي وَقَدْ
صَارَ لِي خَلاَصاً». فَتَسْتَقُونَ مِيَاهاً بِفَرَحٍ مِنْ يَنَابِيعِ الْخَلاَصِ”
(اشعياء 12 : 2-3).
إيماننا بمواعيد الله وخلاصه هو الطريق
للغلبة على شرور ومخاطر هذا العالم. “لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ
الْعَالَمَ. وَهَذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا”
(1 يوحنا 5 : 4).
إذا نظرنا للأوبئة والمخاطر كعدو يواجه
أولاد الله، ينبغي أن نؤمن أن الله هو الذي حارب عن شعبه في قصة خروج شعب الله من أرض
العبودية. قال موسي للشعب: “لا تَخَافُوا. قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاصَ الرَّبِّ الَّذِي
يَصْنَعُهُ لَكُمُ الْيَوْمَ… الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَانْتُمْ تَصْمُتُونَ”
(خروج 14 : 13-14). قال موسي في بركته قبل موته: “الإِلهُ القَدِيمُ مَلجَأٌ [لشعبه]
وَالأَذْرُعُ الأَبَدِيَّةُ مِنْ تَحْتُ [تحمل شعبه]. فَطَرَدَ مِنْ قُدَّامِكَ العَدُوَّ…
مَنْ مِثْلُكَ يَا شَعْباً مَنْصُوراً بِالرَّبِّ تُرْسِ عَوْنِكَ وَسَيْفِ عَظَمَتِكَ!
فَيَتَذَللُ لكَ أَعْدَاؤُكَ وَأَنْتَ تَطَأُ مُرْتَفَعَاتِهِمْ” (تثنية 33 :
27-29).
في ضيقاتنا نصرخ مع أشعياء النبي: “اِسْتَيْقِظِي
اسْتَيْقِظِي! الْبِسِي قُوَّةً يَا ذِرَاعَ الرَّبِّ! اسْتَيْقِظِي كَمَا فِي أَيَّامِ
الْقِدَمِ كَمَا فِي الأَدْوَارِ الْقَدِيمَةِ… أَلَسْتِ أَنْتِ هِيَ الْمُنَشِّفَةَ
الْبَحْرَ مِيَاهَ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ الْجَاعِلَةَ أَعْمَاقَ الْبَحْرِ طَرِيقاً
لِعُبُورِ الْمَفْدِيِّينَ؟” (إشعياء 51 : 9-10).
في سفر القضاة، كان الرب يقيم مخلصا لشعبه
كلما كانوا يصرخون إليه. ففي أكثر من مرة يقول: “وَصَرَخَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى
الرَّبِّ، فَأَقَامَ الرَّبُّ مُخَلِّصاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَخَلَّصَهُمْ” (قضاة
3 : 9، 3 : 15). وفي سفر المزامير، يقول داود النبي: “اَللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ.
عَوْناً فِي الضِّيقَاتِ وُجِدَ شَدِيدا”. (مزامير 46 : 1).
وإذا نظرنا للأوبئة والمخاطر كنتيجة للسقوط
والخطية، فقد قدم لنا الآب السماوي الخلاص في شخص ابنه ربنا يسوع المسيح. فقد قال الملاك
ليوسف: “«يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ
لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْناً
وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” (متى 1
: 20-21).
وقد شهد الأباء الرسل بهذا. القديس يوحنا
يقول: “َنَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الاِبْنَ مُخَلِّصاً
لِلْعَالَمِ” (1 يوحنا 4 : 14). وشهد بطرس الرسول: “َلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ [غير
يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ] الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ [ غير اسْمِ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ] تَحْتَ السَّمَاءِ قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ
بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (اعمال 4 : 12). “شُكْراً لِلَّهِ الَّذِي يُعْطِينَا
الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1 كورنثوس 15 : 57).
الخلاص الذي قدمه الله الآب السماوي لنا
في شخص ربنا يسوع هو خلاص من الخطية ومن نتائج الخطية بما في ذلك الأمراض، ولذلك يشهد
القديس متى الانجيلي عن ربنا يسوع المسيح أنه: “لَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ قَدَّمُوا
إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ فَأَخْرَجَ الأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ وَجَمِيعَ الْمَرْضَى
شَفَاهُمْ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا
وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا” (متى 8 : 16-17).
كما أننا نؤمن أن الرب يسوع هو ابن الله
المخلص، فلنؤمن أيضا أنه يقف أمام الآب السماوي ليشفع فينا حتى نخلص من خطايانا ومن
نتائج خطايانا وشرور الآخرين، ونخلص من ضيقات هذا العالم الحاضر وكوارثه وأمراضه.
يقول القديس بولس الرسول: “أَمَّا هَذَا
[يسوع المسيح] فَلأَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ. فَمِنْ
ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضاً إِلَى التَّمَامِ [يخلص من الشر وأعمال الأشرار]
الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ
فِيهِمْ” (عبرانيين 7 : 24-25). “فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ
السَّمَاوَاتِ، [الذي هو] يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ [بالثقة].
لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا،
بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ” (عبرانيين 4 :
14-15).
مادام الأمر هكذا، “فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ
إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ [أمام الآب السماوي] لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً
عَوْناً فِي حِينِهِ” (عبرانيين 4 : 16). “فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ صَابِرِينَ فِي
الضَّيْقِ مُواظِبِينَ عَلَى الصَّلاَةِ” (رومية 12 : 12). “لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ،
بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ
لَدَى اللهِ.” (فيلبي 4 : 6). “مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ
فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهَذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ
جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ” (افسس 6 : 18).
خامسا: رسالة الضيقات والكوارث والأوبئة
التي نواجهها – بما فيها انتشار فيروس كورونا -
هي رسالة توبة بالدرجة الأولي، فهي دعوة متجددة
لسماع صوت الرب يسوع: “تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ” (متى
3 : 2). يقول السيد الرب لشعبه أسرائيل في العهد القديم: “تُوبُوا وَارْجِعُوا عَنْ
كُلِّ مَعَاصِيكُمْ, وَلاَ يَكُونُ لَكُمُ الإِثْمُ مَهْلَكَةً. اِطْرَحُوا عَنْكُمْ
كُلَّ مَعَاصِيكُمُ الَّتِي عَصِيْتُمْ بِهَا، وَاعْمَلُوا لأَنْفُسِكُمْ قَلْباً جَدِيداً
وَرُوحاً جَدِيدَةً. فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ لأَنِّي لاَ أُسَرُّ
بِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. فَارْجِعُوا وَاحْيُوا” (حزقيال
18 : 30-32).
وقد علم الرب يسوع أن التوبة هي الرسالة
الأولي لنا حينما نسمع اخبار كوارث أو ضيقات.
فقد حدث أن جاء قوم يخبرون الرب يسوع عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم،
فقال لهم يسوع: “أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلاَءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خُطَاةً أَكْثَرَ
مِنْ كُلِّ الْجَلِيلِيِّينَ لأَنَّهُمْ كَابَدُوا مِثْلَ هَذَا؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ.
بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ. أَوْ أُولَئِكَ الثَّمَانِيَةَ
عَشَرَ الَّذِينَ سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْبُرْجُ فِي سِلْوَامَ وَقَتَلَهُمْ أَتَظُنُّونَ
أَنَّ هَؤُلاَءِ كَانُوا مُذْنِبِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ السَّاكِنِينَ
فِي أُورُشَلِيمَ؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ
كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ” (لوقا 13 : 1-5).
القديس بطرس الرسول يدعو الجميع للتوبة،
حتى تأتي أوقات الفرج من عند الرب، ويأتي الرب يسوع مرة ثانية من السماء لنكون معه
في عالم السلام والفرح. “فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ لِكَيْ تَأْتِيَ
أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ. وَيُرْسِلَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُبَشَّرَ
بِهِ لَكُمْ قَبْلُ. الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ السَّمَاءَ تَقْبَلُهُ إِلَى أَزْمِنَةِ
رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا اللهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ
الْقِدِّيسِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ” (أعمال 3 : 19-21).
التوبة تفتح أبواب السماء، وتشفي البلاد
من الكوارث. فقد وعد الرب سليمان: “إِنْ أَغْلَقْتُ السَّمَاءَ وَلَمْ يَكُنْ مَطَرٌ
وَإِنْ أَمَرْتُ الْجَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ الأَرْضَ وَإِنْ أَرْسَلْتُ وَبَأً عَلَى
شَعْبِي ، فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلُّوا
وَطَلَبُوا وَجْهِي وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيئَةِ فَإِنِّي أَسْمَعُ مِنَ
السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ” (2 اخبار 7 : 13-14).
فإن كنا بحق نريد شفاء بلادنا من ضربات الشر والشرير فليرجع كل واحد عن شره، ولا نعطي
مكانا لإبليس بيننا (أفسس 4 : 27).
التوبة هي دعوة للرجوع إلي الله من كل
القلب، وهي أيضا اغتسال بالنعمة في دم المسيح. قال أحد القساوسة [الشيوخ] للقديس يوحنا
في سفر الرؤيا عن “هَؤُلاَءِ الْمُتَسَرْبِلُونَ بِالثِّيَابِ الْبِيضِ”، أنهم “هَؤُلاَءِ
هُمُ الَّذِينَ أَتُوا مِنَ الضِّيقَةِ الْعَظِيمَةِ، وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ
وَبَيَّضُوهَا فِي دَمِ الْحَمَلِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ اللهِ وَيَخْدِمُونَهُ
نَهَاراً وَلَيْلاً فِي هَيْكَلِهِ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ”
(رؤيا13:7-15).
سادسا: الضيقات المعاصرة هي دعوة إلهية
للحياة بحسب الانجيل. في مواجهة مثل هذه الضيقات وغيرها
يطلب الرب أن نكون أمناء في الإيمان وتنفيذ الوصايا حتى الموت. يقول لملاك كنيسة سميرنا:
“هَذَا يَقُولُهُ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، الَّذِي كَانَ مَيْتاً فَعَاشَ [السيد المسيح].
أَنَا أَعْرِفُ أَعْمَالَكَ وَضَِيْقَتَكَ… كُنْ أَمِيناً إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ
إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ” (رؤيا 2 : 8-10).
السلاح الذي نواجه به الضيقات – بكل أنواعها
– هو كلمة الله، فبينما يشن إبليس حربه ضد شعب الله، يتسلح أولاد الله بالكلمة. يقول
القديس بولس الرسول لأهل أفسس: “أَخِيراً يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي
شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا
ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ
مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا
الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. مِنْ أَجْلِ
ذَلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي
الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا. فَاثْبُتُوا
مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ [الحق هو وصايا الله]، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ
الْبِرِّ [تتميم وصايا الله]، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ
[كلمة الله]. حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ [الإيمان بصدق مواعيد ووصايا
الله]، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ.
وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ [الخلاص بحسب مواعيد الله]، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي
هُوَ كَلِمَةُ اللهِ” (افسس 6 : 10-17).
أولاد الله يثقون في مواعيد الله،
فلا تكون الضيقات والكوارث لهم سببا للخوف والهلع. يعلمنا
الرب يسوع: “لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلَكِنَّ النَّفْسَ
لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ
أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّم. أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ
يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ
جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ. فَلاَ تَخَافُوا. أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ”
(متى 10 : 28-31).
في الأزمات يظهر أولاد الله كخدام حقيقيين
بصبرهم ورجائهم وحياتهم بحسب الإنجيل. “فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ
اللهِ، فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ،
فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ، فِي طَهَارَةٍ، فِي عِلْمٍ، فِي أَنَاةٍ،
فِي لُطْفٍ، فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ، فِي مَحَبَّةٍ بِلاَ رِيَاءٍ، فِي كَلاَمِ الْحَقِّ، فِي قُوَّةِ اللهِ بِسِلاَحِ
الْبِرِّ لِلْيَمِينِ وَلِلْيَسَارِ. بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ. بِصِيتٍ رَدِيءٍ وَصِيتٍ
حَسَنٍ. كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ. كَمَجْهُولِينَ وَنَحْنُ مَعْرُوفُونَ.
كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا. كَمُؤَدَّبِينَ وَنَحْنُ غَيْرُ مَقْتُولِينَ.
كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِماً فَرِحُونَ. كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ.
كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ.” (2 كورنثوس 4:6-10).
الضيقات والأزمات فرصة لممارسة المحبة
المسيحية نحو اخوتنا المتألمين. يقول القديس بولس الرسول: فَرَحاً مَعَ الْفَرِحِينَ
وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِين، مُهْتَمِّينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ اهْتِمَاماً وَاحِداً”
(رومية 12 : 15-16)، “اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ،
وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً فِي الْجَسَدِ” (عبرانيين 13 : 3).
ختاما: لا يقدر أي شيء أن يفصلنا عن
محبة الله الآب السماوي التي في المسيح يسوع ربنا. وقد
عبر عن ذلك القديس بولس الرسول بروعه في قوله: “مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ
الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ
أَمْ سَيْفٌ؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ «إِنَّنَا
مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ.
وَلَكِنَّنَا فِي هَذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا.
فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ
وَلاَ قُوَّاتِ وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ
وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي
الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رومية 8 : 35-39).
"إِلَهُ كُلِّ
نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا
تَأَلَّمْتُمْ يَسِيراً، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ.
لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ” (1بطرس 5 :
10-11).
القمص أبرام سليمان
كنيسة مارمرقس القبطية الأرثوذكسية
جيرسي سيتي - نيو جيرسي
11 مارس 2020
Comments
Post a Comment