أيها الأزواج، أحبوا نساءكم


الزواج عهد إلهي أقامه الآب السماوي، ليعكس محبته الصادقة والدائمة. في هذا الرابط المقدس، يُدعى الزوج إلى حب زوجته وتقديرها وإكرامها كما أحب المسيح الكنيسة: " أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضاً الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا" (أفسس 5: 25).

هذا النوع من الحب ليس مجرد مشاعر رومانسية، بل هو التزام قائم على بذل الذات والتضحية والدائم، ثابت في السراء والضراء. الزوج الذي يتقبل هذه الدعوة يُهيئ بيئة تزدهر فيها المحبة واللطف والألفة، حتى في خضم تحديات الحياة.

لماذا يجب على الزوج أن يُحب زوجته ويكون لطيفًا معها؟

أيها الأزواج، إن دعوتكم إلى حب زوجاتكم ليست مجرد مطلب اجتماعي، بل هي أمر مقدس من الآب السماوي. لا يقوم الحب في الزواج على مشاعر عابرة، بل على التزام راسخ يعكس محبة المسيح للكنيسة. يجب أن يكون حب الزوج مضحيًا، ودائمًا، وراعيًا، يهيئ بيئة تزدهر فيها الثقة والألفة والاحترام المتبادل.

ولكن لماذا يُعد هذا الحب جوهريًا؟ يكشف الكتاب المقدس أن الزواج أكثر من مجرد شراكة إنسانية، بل هو انعكاس إلهي لعلاقة المسيح وشعبه. إن الطريقة التي يحب بها الزوج زوجته لا تؤثر فقط على علاقتهما، بل تؤثر أيضًا على مسيرته مع الآب السماوي. فهي تؤثر على الجو الروحي للمنزل، وتقوي رباط الوحدة، وتعمّق الألفة العاطفية والجسدية.

لنفهم هذه المسؤولية المقدسة، دعونا نستكشف ثلاثة أسباب رئيسية لضرورة أن يحب الزوج زوجته ويعتز بها وفقًا للكتاب المقدس.

أولا: لأن الزواج يعكس محبة المسيح للكنيسة:

العلاقة الزوجية انعكاس عميق لمحبة المسيح لشعبه: "الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ" (أفسس ٥: ٢٣).

وكما أحب المسيح الكنيسة حبًا غير مشروط، فعلى الزوج أن يحب زوجته ليس فقط في اليسر، بل أيضًا في أوقات الشدة والمعاناة والتجارب. لقد ظل المسيح وفيًا لعروسه، متحملًا الصليب من أجل فدائها. وبالمثل، يجب أن يظل حب الزوج ثابتًا، حتى في مواجهة المصاعب كالصعوبات المالية والمرض والضيق العاطفي وسوء الفهم.

ثانيا: لأن الحب واحترام الزوجة يؤثران على علاقة الزوج بالآب السماوي

لطريقة معاملة الزوج لزوجته عواقب روحية. يحذر الرسول بطرس: "أَيُّهَا الرِّجَالُ كُونُوا سَاكِنِينَ بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ مَعَ الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ كَالأَضْعَفِ، مُعْطِينَ إِيَّاهُنَّ كَرَامَةً كَالْوَارِثَاتِ أَيْضاً مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ، لِكَيْ لاَ تُعَاقَ صَلَوَاتُكُمْ" (1 بطرس 3: 7).

ترتبط الحياة الروحية للزوج ارتباطًا مباشرًا بكيفية معاملته لزوجته. فإذا أهملها أو أساء معاملتها أو أهانها، تُعاق صلواته. وهذا يعني أن علاقته بالآب السماوي تتأثر عندما يفشل في عكس محبة المسيح في زواجه.

ثالثا: لأن الحب يُقوي الألفة والوحدة في الزواج

لا يقدم الزوج المُحب الوحدة العاطفية والروحية فحسب، بل يقدم أيضًا الألفة الجسدية مع زوجته. يؤكد الكتاب المقدس على قدسية الألفة الزوجية: "لِيُوفِ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ حَقَّهَا الْوَاجِبَ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ أَيْضاً الرَّجُلَ" (1 كورنثوس 7: 3).

الألفة الجسدية ليست مجرد هبة، بل هي أيضًا وسيلة للتعبير عن الحب والرعاية والإخلاص. لطف الزوج وحنانه وصبره يُعزز حياة حميمة صحية وسعيدة. كما يجذب المسيح كنيسته إليه بالمحبة، على الزوج أن يسعى وراء قلب زوجته بالمودة، لا لإشباع رغبته فقط. فالألفة الحقيقية تُبنى على الثقة والتواصل العاطفي والفهم العميق لبعضنا البعض.

كيف ينبغي للزوج أن يُحب زوجته ويكون لطيفًا معها؟

لا يقتصر حب الزوجة على النوايا الحسنة فحسب، بل يتطلب عملًا مدروسًا وتضحية يومية والتزامًا ثابتًا. يتجلى الحب، في أصدق صوره، في كيفية حديث الزوج وخدمته ودعمه لزوجته، وخاصة في أوقات الشدة.

يُقدم الكتاب المقدس نموذجًا واضحًا للمحبة المسيحية، مُبينًا للأزواج كيفية تكريم زوجاتهم وتقديرهن ورعايتهن بطريقة تعكس قلب الآب السماوي. المحبة أكثر من مجرد كلمات؛ إنها ذبيحة تضحية، وحضور ثابت في الضيق، وأساس للألفة، والثقة والوحدة.

فكيف يُمكن للزوج إذًا أن يُحقق هذه الدعوة المقدسة؟ تُقدّم المبادئ التالية، المُستمدة من كلمة الله، إرشاداتٍ عمليةً وروحيةً حول معنى محبة الزوجة والرفق بها.

أولا: المحبة بتضحية، حتى في الشدائد

يُختبر الحب الحقيقي في المعاناة. لم تكن محبة المسيح مشروطة، بل تحمّلت آلام الخيانة والرفض والصليب. وبالمثل، يُدعى الزوج إلى محبة زوجته بتضحية، حتى في الأوقات الصعبة: " اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ وَهَكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ" (غلاطية 6).

سواءً واجه الزوج التقي مرضًا، أو ضائقة مالية، أو ألمًا نفسيًا، فإنه يبقى وفيًا وصبورًا وثابتًا. لا يتخلى عن عاطفته في الضيق، بل يقترب من زوجته، ويعزيها ويرفع من شأنها.

ثانيا: بتكريمها واحترامها من جميع النواحي

إن تكريم الزوجة هو إدراك قيمتها في نظر الآب السماوي. فهي ليست مجرد مُعينة، بل هي وارثة للنعمة على قدم المساواة: "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعاً وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غلاطية ٣: ٢٨).

يتجلى إكرام الزوج لزوجته بالأقوال والأفعال والمواقف. الزوج المحب يتحدث بلطف واحترام، ويستمع بانتباه، ويُقدّر أفكار زوجته ومشاعرها. حتى في الخلاف، يبقى هادئًا وصبورًا ومستعدًا للسعي إلى السلام.

ثالثا: التدبير بتواضع وتفهم

التدبير الروحي في الزواج لا يعني السيطرة، بل التوجيه بقلب خادم. المسيح، المدبر الأسمى، تواضع ليخدم الآخرين: " وَأَكْبَرُكُمْ يَكُونُ خَادِماً لَكُمْ" (متى ٢٣: ١١).

 

الزوج يدبر بيته بالقدوة، مُظهرًا التواضع والحكمة والالتزام العميق بالنمو الروحي لزوجته. يُشجع إيمانها، ويدعم خدمتها، ويصلي معها، ضامنًا أن يظل زواجهما متمركزًا حول إرادة الآب السماوي.

رابعا: تعزيز العلاقة الحميمة العاطفية والجسدية

العلاقة الحميمة الزوجية انعكاس للوحدة، جسديًا وعاطفيًا: "وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ، بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ" (مرقس ١٠: ٨).

ينبغي على الزوج أن يكون حنونًا، ومنتبهًا، وحاضرًا عاطفيًا. فالعلاقة الحميمة لا تقتصر على القرب الجسدي فحسب، بل تشمل أيضًا فهم قلب زوجته ورعايته. ينبغي عليه أن يُهيئ لها مساحةً آمنةً تشعر فيها بالاهتمام والمحبة والتقدير، مما يضمن تعميق علاقتهما مع مرور الوقت.

خامسا: بالوفاء في الحب والالتزام

الإخلاص أكثر من مجرد حصرٍ جسدي، بل هو إخلاصٌ عاطفيٌّ وروحيٌّ. يحثّ الكتاب المقدس الأزواج على الثبات: "اِشْرَبْ مِيَاهاً مِنْ جُبِّكَ وَمِيَاهاً جَارِيَةً مِنْ بِئْرِكَ" (أمثال 5: 15).

الزوج المُحبّ يحفظ قلبه من الإغراءات، ويحافظ على عهوده، ويظلّ ملتزمًا تجاه زوجته التزامًا عميقًا في عقله وجسده وروحه.

سادسا: بالصلاة من أجل زوجته ومعها

يرفع الزوج التقيّ زوجته بالصلاة، طالبًا بركة الآب السماوي وإرشاده: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ" (متى 18: 20).

الصلاة معًا تُقوّي الألفة الروحية وتُعمّق الرابطة بينهما. الزوج الذي يصلي من أجل زوجته يُظهر أنه غطاؤها الروحي، يشفع لها في احتياجاتها، ويلتمس رضى الآب السماوي في زواجهما.

علاوة على ذلك، فإن العبادة معًا والمشاركة في سر التناول المقدس بضمير طاهر يؤكدان وحدتهما في المسيح. يحث الرسول بولس المؤمنين على الاقتراب من مائدة الرب بتوقير وفحص للذات: "لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَهَكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ" (كورنثوس الأولى ١١: ٢٨).

الزوجان اللذان يسيران في محبة ومغفرة ووئام روحي، يتناولان عشاء الرب بطريقة تُكرم المسيح وتُعزز وحدتهما كزوجين فيه. العبادة جنبًا إلى جنب والمشاركة في سر التناول المقدس تعبير عن عهدهما - ليس فقط مع بعضهما البعض، بل مع المسيح نفسه. لذا، على الزوج ألا يقتصر على الصلاة من أجل زوجته ومعها، بل عليه أيضًا أن يسعى جاهدًا للحفاظ على قلب نقي، وروح وحدة، وإخلاص مشترك للرب، ضامنًا أن يكون زواجهما راسخًا في الإيمان، ومُغذّى بنعمته.

الخلاصة: انعكاس لمحبة المسيح

محبة الزوج ليست مجرد واجب، بل هي دعوة إلهية. وكما أن المسيح يبقى وفيًا لعروسه الكنيسة، على الزوج أن يبقى ثابتًا في محبته في الفرح والمعاناة، في القوة والضعف. عليه أن يُغذي الألفة والاحترام واللطف، ويقود زوجته بقلب خادم، ويضمن أن يكون منزلهما انعكاسًا للنعمة والسلام والمحبة التي تتمحور حول المسيح.

تُشكّل كلمات بولس مبدأً إرشاديًا لكل زوج: "يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ" (أفسس 5: 28).

ليُقبل كل زوج على هذه الدعوة المقدسة، ضامنًا أن يُصبح زواجه شهادةً على محبة الآب السماوي - أمينًا، ودائمًا، وواهبا للحياة.

للمزيد من القراءة:

إذا كنت ترغب في استكشاف المزيد عن تصميم الله للزواج والحياة الأسرية، أدعوك لقراءة كتابي "The Christian Family: A Biblical Perspective". يتعمق هذا الكتاب في الأساس الكتابي للحياة الأسرية، مُشددًا على الأدوار المقدسة للأزواج والزوجات والأبناء في نظام الله الإلهي. يُقدم الكتاب إرشادات عملية وحكمة كتابية لبناء منزل مُركز على المسيح، مليء بالمحبة والوحدة والإيمان.  

متوفر الآن على أمازون: The Christian Family: A Biblical Perspective

ليبارك الله الآب السماوي زواجكم وبيوتكم بروحه القدوس، باسم ربنا يسوع المسيح، وأنتم تسعون للحياة حسب مشيئته المقدسة.

القمص أبرام سليمان

frsleman@CopticChurch.net

#الزواج_المسيحي #الزواج_الكتابي #الزواج_حسب_مشيئة_الله #الزواج_التقي #الزواج_المتمركز_حول_المسيح #تأملات_في_الزواج #أيها_الأزواج_أحبوا_زوجاتكم #الزوج_التقي #المحبة_على_مثال_المسيح #أيها_الأزواج_أكرموا_زوجاتكم #المحبة_مثل_المسيح #المحبة_التضحية #الأمانة_في_المسيح #السير_مع_المسيح #الحياة_المتمركزة_حول_المسيح #الإيمان_المسيحي #المسيح_قدوتنا #واحد_في_المسيح #الألفة_الروحية #صلوا_معًا_لتبقوا_معًا #الزواج_والإيمان #الحياة_الإفخارستية #العبادة_معًا

Comments

Popular posts from this blog

Pastoral Statement on the East Brunswick Tragedy

A Message to President-Elect Trump

Heart of the Shephard: Introduction - Under Print