أيها النساء، اخضعن لرجالكن
كثيرًا ما يُساء فهم التعاليم الكتابية حول الخضوع في الزواج، وخاصةً في رسالة أفسس ٥: ٢٢، " أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ". إلا أنه، عند فهمه فهمًا صحيحًا، يُقدم نموذجًا للحب والاحترام والنظام الإلهي، مما يُعزز زواجًا قويًا ومتناغمًا. لا يتعلق هذا التعليم بالظلم، بل بعكس الوحدة والمحبة الموجودة في علاقة المسيح بكنيسته.
لماذا يجب على الزوجة الخضوع لزوجها؟
في عالمٍ غالبًا ينظر للخضوع أنه ضعف،
قد تبدو دعوة الكتاب المقدس للزوجة للخضوع لزوجها قديمة أو مثيرة للجدل. إلا أنه عند
فهمه فهمًا صحيحًا، لا يعني الخضوع الشعور بالنقص أو الطاعة العمياء، بل يعني قبول
النظام الإلهي للزواج. إنه انعكاس للمحبة والثقة والتناغم الذي خص الله به الأزواج
والزوجات.
يُقدم الكتاب المقدس الزواج كعهدٍ مقدس،
لكلٍّ من الزوجين فيه أدوارٌ مُتميزة، وإن كانت مُتكاملة. الزوج مدعوٌّ لقيادة زوجته
بعناية وتواضع، كما قاد المسيح الكنيسة في المحبة والتضحية. واستجابةً لذلك، يُعدّ
خضوع الزوجة فعل إيمانٍ طوعيٍّ وسعيد، تعبيرًا عن الثقة بحكمة الله وتدبيره. هذا الخضوع
يُعزّز الوحدة والسلام والعلاقة المزدهرة عندما يُمارس وفقًا لكلمة الله.
النقاط التالية تكشف الأسباب الكتابية
لخضوع الزوجة، مُبيّنةً كيف يتماشى مع قصد الله من الزواج، ويعكس علاقة المسيح بالكنيسة،
ويُمثّل في نهاية المطاف فعل إيمانٍ وطاعةٍ لله.
1 - الخضوع هو تدبير إلهي للزواج
الخضوع في الزواج ليس اختراعًا بشريًا،
بل هو أمرٌ إلهي. يقول القديس بولس: "لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ
الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ
مُخَلِّصُ الْجَسَدِ" (أفسس 5: 23).
كما يقود المسيح الكنيسة بمحبة، فإن الزوج
مدعو لقيادة زوجته بمحبة وتضحية. خضوع الزوجة لا يعني التحكم بها، بل هو انسجامها مع
النظام الذي أراده الله لزواج متمركز حول المسيح. وهذا يعكس جمال حكمة الله في تصميم
الزواج ليعمل بتناغم ووحدة.
2- الخضوع يعكس علاقة الكنيسة بالمسيح
الزواج مثال حي للمسيح والكنيسة:
"كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذَلِكَ النِّسَاءُ
لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ" (أفسس 5: 24).
كما تخضع الكنيسة لقيادة المسيح بثقة
وطاعة، كذلك الزوجة مدعوة للثقة بقيادة زوجها ودعمها. هذا لا يعني الطاعة العمياء،
بل تنمية علاقة تعكس الحب والإخلاص الموجودين في الإنجيل.
٣- الخضوع
فعل إيمان وطاعة للمسيح.
يوضح القديس بولس أن الخضوع هو
"كَمَا لِلرَّبِّ" (أفسس ٥: ٢٢). هذا يعني أن خضوع الزوجة لا يتعلق في نهاية
المطاف بزوجها، بل بإيمانها بالله. باتباعها مشيئة الله، تُظهر ثقتها بحكمته وعنايته.
يتطلب هذا الإيمان، لا سيما في أوقات الشدة، ولكنه سبيل لتكريم الله في زواجها.
٤- الخضوع
يُنشئ زواجًا مُحبًا ومتناغمًا.
عندما يقترن الخضوع الكتابي بحب الزوج
المُخلص، يزدهر الزواج. تأمر رسالة أفسس ٥: ٢٥ الأزواج بأن يُحبوا زوجاتهم "كَمَا
أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضاً الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا". الخضوع
ليس مطلبًا من طرف واحد؛ بل هو علاقة يخدم فيها كل من الزوج والزوجة بعضهما البعض بمحبة.
عندما تحترم الزوجة قيادة زوجها، ويقودها بتواضع وعناية، يزدهر زواجهما في وحدة.
٥- الخضوع ليس
نقصًا، بل انعكاسًا لنظام الله.
في غلاطية ٣: ٢٨، يؤكد القديس بولس أن
الرجال والنساء متساوون في المسيح. الخضوع الكتابي لا يوحي بالنقص في الكرامة، بل يعكس
أدوارًا متكاملة. فكما يخضع المسيح للآب وهو واحد معه، ويجب تكريمه مثلما يكرمون
الآب (يوحنا ٥: ١٩، ٢٣، ١ كورنثوس ١١: ٣)، كذلك تخضع الزوجة لزوجها وهي واحدة معه،
ويجب تكريمها مثلما يكرمون الزوج. إن خطة الله للزواج تقوم على الوحدة، لا على الظلم.
كيف ينبغي للزوجة أن تخضع لزوجها؟
إن فهم سبب خضوع الزوجة لزوجها وفقًا
لخطة الله أمرٌ أساسي، ولكن من المهم بنفس القدر فهم كيفية ممارسة هذا الخضوع بطريقة
تُكرم المسيح. الخضوع الكتابي لا يعني السلبية أو الخوف أو النقص، بل يعني قبول حكمة
الله في الزواج بمحبة واحترام وإيمان. الخضوع الحقيقي هو فعل ثقة بطواعية وفرح بالله،
ينبع من قلب يرغب في احترام الزوج. ويتجلى ذلك عمليًا - من خلال الاحترام والتشجيع
والدعم - ويتوازن دائمًا مع كرامة الزوجة وفطنتها وإخلاصها لله. الخضوع لا يعني الصمت
أو قبول الخطأ، بل يعني السير في الحكمة، والثقة بسيادة الله، والاستعانة بقوته في
كل الظروف.
توضح النقاط التالية كيف يمكن للزوجة
أن تمارس الخضوع الكتابي بطريقة تعكس الحب والإيمان والحكمة الإلهية، مما يضمن ازدهار
زواجها في وئام ووحدة مسيحية.
1- الخضوع
بقلب راغب ومحب
الخضوع لا يقدم بالفرض، بل يُمنح بمحبة
وإيمان: " أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا يَلِيقُ
فِي الرَّبِّ" (كولوسي 3: 18).
ينبغي على الزوجة أن تخضع ليس بدافع الخوف
أو الالتزام، بل بقلب فرح، عالمةً أنها في النهاية تخدم الله. خضوعها هو عمل ثقة وإيمان
في خطة الله الإلهية.
2- الخضوع باحترام
وتشجيع
يؤكد القديس بولس على أهمية الاحترام
في الزواج: " فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هَكَذَا كَنَفْسِهِ،
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ [تحترم] رَجُلَهَا" (أفسس 5: 33).
الاحترام هو أساس الخضوع الكتابي. ينبغي
أن تُؤكد أقوال الزوجة وأفعالها قيادة زوجها، فتُعززه وتُشجعه، لا أن تُقلل من شأنه
أو تُضعفه. يصف سفر الأمثال الزوجة التقية بأنها "تَصْنَعُ لَهُ خَيْراً لاَ
شَرّاً كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهَا" (أمثال ٣١: ١٢).
3- الخضوع
بدعم قيادته لا بالتنافس معها
خُلقت الزوجة لتكون مُعينةً لزوجها (سفر
التكوين ٢: ١٨)، وهذا يعني تقديم الحكمة والمشورة والدعم. لا يعني الخضوع في الكتاب
المقدس الصمت أو السلبية، بل يعني المشاركة الفعّالة في الزواج مع السماح للزوج بتولي
مسؤولية القيادة النهائية. يُبنى الزواج القوي عندما يعمل الزوجان معًا في وحدة لا
في تنافس.
٤- الخضوع
مع الثقة بالله، حتى عندما لا يكون الزوج كاملًا
لا يوجد زوج يُؤدي دوره على أكمل وجه.
ومع ذلك، يشجع القديس بطرس الزوجات على التأثير على أزواجهن ليس من خلال التذمر أو
النقد، بل من خلال السلوك التقي: " أَيَّتُهَا النِّسَاءُ كُنَّ خَاضِعَاتٍ
لِرِجَالِكُنَّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ لاَ يُطِيعُونَ الْكَلِمَةَ [لا
يطيعون كلمة الله]، يُرْبَحُونَ بِسِيرَةِ النِّسَاءِ بِدُونِ كَلِمَةٍ" (1 بطرس
3: 1).
إن إخلاص الزوجة واحترامها وصبرها المصحوب
بالصلاة غالبًا ما يكون له أثر أعمق على قلب زوجها من الجدال أو الشكوى.
5- الخضوع
بإدراك حدود الخضوع
الخضوع الكتابي لا يعني أبدًا أن الزوجة
تتسامح مع الخطيئة أو الإيذاء البدني. إذا تصرف الزوج بطريقة تتعارض مع كلمة الله،
أي لا تطيعه في أي أمر يخالف وصايا الله، فإن ولاء الزوجة النهائي يكون لله:
"يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أعمال الرسل 5:
29).
إذا كان الزوج مؤذيا أو يطالب بأفعال
خاطئة تخالف وصايا الله، فعلى الزوجة أن تطلب المشورة الإلهية والحماية. الخضوع لا
يعني أبدًا تمكين الخطيئة، بل احترام معايير الله الأخلاقية.
٦- الخضوع
بالصلاة وطلب القوة من الله
يتطلب الخضوع قوة روحية وتواضعًا وحكمة.
ينبغي على الزوجة أن تصلي من أجل زوجها وأن ينال نعمة الله لاحترام دورها بأمانة:
"الْمَرْأَةُ الْمُتَّقِيَةُ الرَّبَّ فَهِيَ تُمْدَحُ" (أمثال ٣١: ٣٠).
قوة الزوجة وأمانها في نهاية المطاف من
الله، وليس فقط من زواجها. تجد الزوجة التقية هويتها وهدفها في الله، مما يُمكّنها
من تحقيق قصده بفرح وثقة.
الخلاصة
إن دعوة الكتاب المقدس للزوجة للخضوع
لزوجها لا تعني الاستعباد، بل بالحب والثقة والنظام الإلهي. إنها انعكاس لعلاقة المسيح
بالكنيسة، ونموذج للوحدة والوئام والتفاني غير الأناني. عندما يُفهم الخضوع فهمًا صحيحًا،
فإنه يُعزز زواجًا ينجح فيه الزوجان في أدوارهما التي أوكلها الله إليهما، مما يخلق
علاقة متجذرة في الاحترام والمحبة المُضحية والدعم المتبادل.
تخضع الزوجة لزوجها لأن هذا هو تدبير
الله للزواج، وهو بناءٌ قائمٌ على النظام والسلام. ويعكس خضوعها خضوع الكنيسة بطواعية
لقيادة المسيح المُحبة، مُجسّدًا جمال الانسجام الإلهي. هذا الفعل من الثقة يُكرّم
الله ويُقوّي الرابطة الزوجية، مُهيئًا بيئةً يزدهر فيها الحب وتسود الوحدة.
مع ذلك، فإن الخضوع ليس طاعةً سلبيةً،
بل هو تعبيرٌ فاعلٌ عن الإيمان. تخضع الزوجة بقلبٍ مُستعدٍّ وفرح، ليس خوفًا، بل بثقةً
في حكمة الله وتدبيره. إنها تحترم زوجها وتُشجّعه، مُؤكّدةً دوره كقائدٍ لبيتهما. دعمها
لا يعني الصمت أو السلبية، بل هو شراكةٌ تُساهم فيها بحكمةٍ ونعمةٍ وفطنة، مُعزّزةً
قيادته لا مُنافسةً لها. حتى عندما يُقصّر زوجها، تختار أن تثق بالله، عالمةً أن شخصيتها
الرقيقة والمُخلصة يُمكن أن تكون شهادةً على قدرة المسيح المُغيّرة.
مع ذلك، يجب أن يكون هناك حدودا للخضوع؛
فهو لا يُلزم الزوجة أبدًا أن تقوم بأي عمل ضد وصايا الله أو تقبل الإيذاء البدني.
طاعتها المطلقة لله، وعندما يسلك الزوج طريقًا يخالف كلامه، فعليها أن تثبت في الاستقامة.
في كل جانب، يُدعم الخضوع بالصلاة، طالبةً قوة الله وحكمته للسير في دورها بأمانة.
عندما يتبنى كل من الزوج والزوجة أدوارهما
الكتابية، يصبح الزواج شهادة حية على محبة المسيح ووحدته. الزوجة التقية لا تخضع من
باب الالتزام، بل بدافع محبة المسيح، واثقين بأن قصد الله للزواج يؤدي إلى فرح حقيقي
وسلام وبركة روحية.
للمزيد من القراءة
للتعمق في مبادئ الكتاب المقدس المتعلقة بالزواج، وأدوار الأسرة، وقصد الله لبيت متمركز حول المسيح، فكّروا في قراءة كتابي:
"TheChristian Family: A Bíblical Perspective"
يقدم هذا الكتاب دراسة شاملة حول أسس الزواج الصالح، وأدوار الأزواج والزوجات، والديناميكيات
الروحية للحياة الأسرية وفقًا للكتاب المقدس.
الكتاب متاح على موقع Amazon، وسيساعدكم
على بناء زواج صالح وأسرة تقدس الله وتعكس محبته.
Fr. Abraam Sleman
#الزواج_الكتابي
#تصميم_الله #الزواج_المسيحي #أدوار_الزواج #طاعة_الزوجات #محبة_الأزواج
#الزواج_بطريقة_الله #المسيح_والكنيسة #الخضوع_الكتابي #الزواج_التقي
#الزوجة_الأمينة #انسجام_الزواج #العائلة_المسيحية #الزوجة_التقية
#الزواج_في_المسيح #عهد_الزواج #أفسس5 #حكمة_الزواج #الثقة_في_الله #الزواج_بهدف
Comments
Post a Comment